ابن عجيبة

280

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وهذه صفة عبيد الدنيا ، وعبيد أهوائهم . وهي صفة من أسكرته الغفلة ، وخرجت عظمة اللّه عز وجل من قلبه ، وإلى هذه الإشارة بقوله تعالى : قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا . . الآية . فكل محب للدنيا ، مستغرق في حبها ، فهو لا حق بالذين تمنوا زينة قارون . واعلم أن الدنيا إذا رسخت في القلب ، واستوطنت ، ظهر ذلك على جوارح العبد ، بتكالبه عليها ، وشدة رغبته فيها ، فيسلبه اللّه تعالى لذة القناعة ، ويمنعه سياسة الزاهدين ، ويبعده عن روح العارفين ؛ فإن القلب إذا لم يقنع - لو ملك الدنيا بحذافيرها - لم يشبع . وقال بعض الحكماء : القناعة هي الغنى الأكبر ، ولن تخفى صفة القانعين . ه . ومآل الراغبين في الدنيا هو مآل قارون ، من الفناء والذهاب تحت التراب ، وأنشدوا : إن كنت تسّموا إلى الدّنيا وزينتها * فانظر إلى مالك الأملاك قارون رمّ الأمور فأعطته مقادتها * وسخّر النّاس ؛ بالتّشديد واللّين حتّى إذا ظنّ ألّا شئ غالبه * ومكّنت قدماه أىّ تمكين راحت عليه المنايا روحة تركت * ذا الملك والعزّ تحت الماء والطّين ثم ذكر عاقبة المتواضعين ، فقال : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 83 إلى 84 ] تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 83 ) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 84 ) قلت : ( تلك ) : مبتدأ ، و ( نجعلها ) : خبر . يقول الحق جل جلاله : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ أي : تلك الدار التي سمعت بذكرها ، وبلغك خبرها . ومعنى البعد في الإشارة ، لبعد منزلتها وعلو قدرها ، نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ أي : تكبرا وقهرا كحال فرعون ، وَلا فَساداً ؛ عملا بالمعاصي ، أو : ظلما على الناس ، كحال قارون ، أو : قتل النفس ، أو : دعاء إلى عبادة غير اللّه ، ولم يعلق الوعد بترك العلو والفساد ، ولكن بترك إرادتهما وميل القلب إليهما ، أدرك ذلك